|
لە بەغداوە تایبەت بۆ (گەپ)
دەینووسێ
لست واثقا من أسم الخليفة , و لكن المرجح في ذاكرتي هو المأمون , حيث شهد
عصره أنواع المتناقضات , فمن ازدهار مجالس اللهو و الطرب و المجون , الى
أنتعاش حركة الزهد و التصوف و الفقه , و من عناية فائقة بالعلم و الأدب و
الترجمة , الى شيوع ظاهرة المتنبئين و أدعياء النبوءة , و ربما كان مدعو
النبوءة هم الأشد خطرا على وحدة المجتمع و بنيته الدينية , فقد أصبح لهم من
جهلة الناس و من الرعاع أتباع يؤمنون بمعجزاتهم و يأتمرون بأمرهم , و لذلك
كان المأمون قاسيا في معاقبتهم و قطع دابرهم قبل أن يستفحل امرهم , حتى انه
كان يتابعهم بنفسه , و يروى إن معجزة احد انبياء عصره كانت تقوم على ان
صاحبها يمتلك وحيا يخبره بهوية او أسماء الناس جميعا و يكفي أن ينظر الى اي
شخص غريب قادم من اي مكان لكي يقول له انت فلان بن فلان , و أمك فلانة ابنة
فلان , و من هنا توجه المأمون اليه بصحبة وزيره , كانا متنكرين , و بعد ان
إستئذانا من الحراس و من الحاجب دخلا عليه , و جلس الوزير الى يمينه و
المامون الى يساره , و يبدو ان الرجلين لم يتنكرا بما فيه الكفاية فقد تعرف
عليهما احد الحراس و الحاجب كما تعرف عليهما ( النبي ) و لكن احدا منهم لم
يفصح عن معرفته , و لهذا حين تحدث المأمون معه , و أنه سمع بمعجزته و جاء
ليؤمن به , و سأله ( هل حقا تعرف من نكون ) , نظر النبي اليهما نظرة متأملة
, ثم قال ( الذي يجلس الى يميني – و يقصد الوزير – هو ابن زانية , أما الذي
الى يساري ) و أطلق المأمون ضحكة عالية , و أغلق فم النبي ( لا تكمل فقد
آمنت بك ) لأنه خشي على أمه من صفة أقذع !
معلوم ان تراث الشعوب حافل بآلاف الحالات المماثلة , سواء من أدعى الألوهية
و النبوة أم احتال بالسحر و الشعوذة , أم من أعتمد تزوير الشخصية و الهوية
, و يعد التزوير في عصرنا أكثر شيوعا و أنتشارا في موسوعة الأحتيال بعد ان
امتد الى العملة و الشهادة الجامعية و البطاقة التموينية ... الخ , و الامر
المحزن ان العراق اصبح وكرا لهذه العمليات التي بدأت تعلن عن نفسها في ظل
النظام السابق , ثم تحولت الى ظاهرة خطيرة بعد الأحتلال لأنها أتسعت عموديا
و أفقيا فقد اشارت الصحف الى أن هناك ما يقرب من 45الف شهادة مدرسية مزورة
, مثلما اشارت الى إن نسبة الذين يتقاضون رواتب لا يستحقونها من شبكة
الحماية الأجتماعية تصل الى 50% و ان بعض المتورطين هم من كبار المسؤولين !
المشكلة الحقيقية لا تكمن في عمليات التزوير و الأحتيال , و لكن في كونها
عرضة للتفاقم و الاستشراء , لأن ( العقوبة ) نفسها هي التي تشجع على
الأستمرار و التمادي , فالموظف الذي يضبط بالجرم المشهود و سرقة المال
العام , يعاقب بأعادة ما سرقه فقط و يبقى في مكانه و على كرسيه معززا مكرما
, أما الذي كان يتكئ على ظهر وزير أو حزب سوبر أو مسؤول فوق القانون فيمكن
أن يعاد النظر بالعقوبة , و يستطيع الأحتفاظ بالمبلغ المسروق كمكافأة
تشجيعية على أخلاصه و تفانيه في العمل ! |